وسوم

,

قبل أن تسأل: نعم, لدى كل شخصٍ منا الآن حياتان, الأولى هي حياتنا الحقيقية التي يخيل إلينا أنها مليئة بالفيروسات بشتى أنواعها  (طيور, خنازير, كلاب… إلخ) و التي يتمنى كلٌ منا أن تملأ بالمن و السلوى, و هناك حياة أخرى الكترونية مليئة بالمنتديات و المراسلات لمعظمنا. أعجبتم أن يكون هناك صيغة اختصار (irl = In Real Life) ؟


و كالحياة الحقيقية فإن هناك المجرمون و قطاع الطرق و المخاطر و المزعجات الأخرى, فأما قطاع الطرق فهم أصحاب الPop-up Ads, فهم يتحايلون حتى يجدوا طرقاً للتعدي على خصوصيتك و قطع طريقك لما تحب من مواقع أو برامج و ملفات تريد تحميلها, و ربما وقعت في الفخ و ذهبت مع عصابة اللصوص هذه إلى أرض يزعمون فيها أنك أنت الحاكم و يضعونك فيها في حرب مع الأعراب و الأعاجم على أراضٍ خيالية. أو حملت ما اعتقدت أنه ورق حائط لتجد أنك أعدت تاريخ طروادة و حملت الموت بعينه, فيحترق جهازك بما فيه.

و عكس حياتك الحقيقية, فأنت هنا صاحب واسطات و علاقات, فإنك تعرف ملوك أفريقيا و ووزرائها من كل العصور و الأزمنة, و بينكم علاقات عمل و صفقات يعطونك فيها خزائن قارون و أملاكه مقابل حفنة من الدولارات تساعدهم بها على استعادة أمجادهم, فهنيئاً لك الأموال التي أحرزتها بالحلال بدون تعب و لا مشقة, و لا تحزن  كثيراً إذا أخبرتك بأن هذه صفقة وهمية, و أنك في الحقيقة ترسل مبلغاً من المال إلى أحد مجرمي نيجيريا أو غانا العِتَاد, لينفقها كلها في ليلةٍ لا تريد معرفة تفاصيلها !

و الحياة الالكترونية مدرسةٌ تعرف فيها أسرار ذاتك و خفاياها, ففيها مكان معروف باسم “كتاب الوجوه”, تعرف فيه أي نوع أنت من الأحذية, فهل أنت نوعٌ مخَططٌ رياضي؟ أم أنت قطٌ يداعب ظهور الشوارع و مواقع البناء ؟** و ربما تكون أنت هتلر زمانك, أو اللون الأخضر ذاته.. فمن منا يستطيع العيش بدون هذه الملاحظات الشيقة عن شخصيته ؟! حتى لو كنت من هذه الثلة المحظوظة, فإنك لن تعدم نفراً من أصحابك قرروا أن يجبروك على معرفتهم المعرفة الحقة, مما جعلني أفكر في ترك كتاب الوجوه لفترة من الزمن.

وكما يعرف مرتادوا الشبكة العنكبوتية, فإن كل خبر يأتي منها هو حقيقيٌ لا ريبة في حصوله, فمن يشكك في ريادة وكالة م.ن.ق.و.ل  للأنباء بعد أن كانت سباقة إلى كل انواع الأخبار ؟! فسواء كانت عن انتقال لاعب إلى ناديٍ آخر, أو إسلام مغني مشهور, أو عن ارتفاع مرتقبٍ لسهم شركة سيئة الخدمات, أو حتى عن “معجزة” غريبة جعلت علماء معروفين (مع عدم ذكر اسمائهم طبعاً) في علومهم الطبيعية يسجدون لله صاغرين*** !

ألا تظنون بعد كل هذا أنها حياة سخيفة و مملة ؟!

—————————–

* كتب شيخنا علي الطنطاوي (رحمه الله) مقالاً دعاه “مزعجات رمضان” اشتكى فيه مما يزعجه من تصرفات الناس أثناء شهر رمضان المبارك, و لقد فكرتُ في كتابة تدوينة لتمديد هذه الفكرة إلى حياتنا الالكترونية, ويمكنك اعتبارها Homage إلى اسلوبه في الكتابة و الفكاهة.. و إن كانت حافلة بالأخطاء الإملائية و الركاكة و السخافة المعتادة مني !

** ماركة كاتربيلار (Caterpillar) للأحذية. و يمكن أن يقصد بها الحيوان المعروف, و الذي أكرهه كل الكره ! و لكن هذا موضوعٌ لتدوينة أخرى.

*** أحد دكاترة الجامعة ستر الله عليه صدق أحد تلك القصص, و جعل يقصها علينا فرحاً, و الظاهر أنه لم يسمع بتكذيب وكالة م.ن.ق.و.ل للخبر الذي نقلته و كشفها عن مؤامرة بعض الملاحدة العرب للضحك علينا ! و لكنني لم أستطع كسر فرحته العارمة بإسلام العلماء المزعومين..