Somewhere More Intelligent

مكان يسمح بالنقاش الذكي.

ألوان القراءة * !

بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية أو تكوينته الثقافية, أكاد أجزم أن أي أحدٍ منا سأل أو سئل السؤال التالي بدون استثناءات:

“يا فلان, ماذا قرأت مؤخراً ؟”

فهل أنت ممن يجيب على السؤال بلهفة ؟ أم أنك سـ”تصَرف الموضوع” أو “تطنش” ؟

أنا رغم أنني لا أعتبر نفسي من كبار القراء, إلا أنني دائماً أحاول توفير الوقت من أجل قراءة كتاب أو قصة, فليس من الغريب أن تراني منتظراً عند الإشارات جالساً في سيارتي و رأسي بين دفتي كتاب. و يعلم الله كم كتاباً أنهيت خلال المشاوير البسيطة, و ربما هذا ما يجعلني دائم البحث عن ملتهمي الكتب أمثالي من أجل البحث عن تزكيات لكتب جديدة اقرأها.. فضلاً عن الحوارات المثيرة للإهتمام التي غالباً ما تنتج عن هذه اللقاءات. و إيجاد هؤلاء الناس يحتاج إلى إلقاء السؤال أعلاه.

و للأسف فإنني في كثير من الأحيان ما أواجه الفشل في إيجاد قراء ذات ذوق فيما يقرأونه, فتارة يكونون ممن يقرأون لتقضية الحاجة من استعداد للإختبارات إلى إنقاص الوزن, وتارة أخرى يكونون ممن يحبون قراءة كتب تطوير الذات (و التي لم أقتنع بمعظمها و لكن إن كان بعضها تساعد القليل من الناس, فإن معظمها ليس لها قيمة علمية أو فنية تذكر), و إذا كان حظي سيئاً جداً, ربما سأجد من يتغنى بقراءته كتاباً عن تزييف موت صدام, أو كتاب يشدد على وجود المنطقة 51 (Area 51), أو كتب الفضائح و القصص الملفقة ! هذا إذا وجدت أصلاً من يقرأ !

قرأت قبل فترة كتاباً رائعاً للأستاذ أشرف بكر بعنوان “ماذا يقرأ عرب اليوم”, ذكر فيه من الاحصائيات الكوارثية ما جعلني أقشعر من الخوف على مستقبل الأمة:

  • جاء في تقرير التنمية في العالم العربي الصادر عن الأمم المتحدة (2003) أن عدد الكتب المنشورة في العام عندنا 330 كتاباً فقط, بينما اليونان (ذات العشرة ملايين نسمة) تنشر خمسة أضعاف ذلك !
  • و كشفت دراسة أجريت على طلاب جامعة في إحدى الدول العربية أن 20% منهم لا يقرؤون سوى الكتب الدراسية, و 20% يقرأون مراجع أخرى في تخصصاتهم, و 26% يقرأون لأقل من ساعة في اليوم, و 35% يقرأون من ساعة إلى ساعتين في اليوم, و 3% يقرأون أكثر من 4 ساعات في اليوم !

و عندما تقارن إحصائيات كهذه بوجود مكائن لبيع الكتب في اليابان مثلاً.. يطرح السؤال نفسه: لماذا لا نقرأ كتباً رغم أننا دائماً ما نتشّدق بكوننا أمة “اقرأ” ؟

وللإجابة على هذا السؤال, سأستطرد بعض الشىء, فرجاءً تحملوني ريثما أصل إلى ما أريد قوله:

قرأت قبل فترة من الزمن مقالة تنقل و تعلق على خبر إنهاء عرض برنامج تلفزيوني للأطفال يدعى Reading Rainbow, طبعاً من اسمه يظهر أنه من البرامج المشجعة للأطفال على القراءة, و هذا يتم عن طريق عرض استعراضات للكتب الجديدة في الأسواق. و كان البرنامج يعرض لمدة 26 عاماً أي أكثر من عمري و أنا أكتب هذه السطور, و كان سبب الإيقاف أن إدارة الرئيس المعظم جورج بوش قررت أن توجه الموارد تجاه برامج تُعلم الطلاب أساسيات القراءة (كالتهجئة و خلافه) بدلاً من تشجيعهم عليها.. و هذا من رأيي هو أحد علامات قصورها كادارة لأن هذا ما نرى نتائجه كلما ظهرت إحصائية جديدة فيها كلمتا “العرب” و “القراءة”… ولكننا لسنا بصدد مناقشة نتائج القرار, فنحن نريد التركيز على مشاكلنا نحن فقط بدون الدخول في نقاشات لا تفيدنا.

كما نعى كاتب المقال و المعلقون عليه وفاة البرنامج و كأنه صديق عزيز أو فرداً من أفراد العائلة.. و مع أني لم أشاهد البرنامج في حياتي, إلا أنني فهمتُ لماذا تقدم القوم علينا في سباق الحياة.. فإنهم دربوا أبناءهم و بناتهم منذ الصغر على أن ينظروا إلى قراءة الكتب على أنها نشاط مسلي قبل أن تكون نشاطاً مفيداً, و هذا هو بيت القصيد لهذه التدوينة.

بينما معظمنا لا يرى الكتب في حياته إلا بعد وصوله إلى المدرسة, حيث يجدها بأغلفتها المملة و صفحاتها البيضاء الخالية من أي خيال, ثم يعود إلى المنزل ليجد والديه يتعاركان على من سـ”يتدبس” في مساعدته على حل واجبه, ليجلس مع الخاسر جلسة مشحونة تزرع فيه كره الكتاب الذي أخرجه من عالم الكارتون إلى عالم الأبيض و الأسود.

و الطامة الكبرى هي أنك ترى أن القلة الناجية تقرأ في ميادين الرشاقة و الخرافات و القصص و تطوير الذات.. و الثلاث الأولى في رأيي لا تستحق مداومة القراءة فيها كا تقتضيها الكتب السياسية الحقيقية و كتب الفكر و الأدب و العلم**, ليس هذا فقط, بل إنها لا تستفيد شيئاً مما قرأته, مما يدل على أن الجلسة المشحونة آنفة الذكر كانت أيضاً غير ناجحة في تعليمه الأساسيات !

و لو افترضنا أنك ممن خرجت من الدوامة, فإنك إن كنت من قاطني جدة, فأنت ليس لديك مكتبة عامة تستطيع أن تقرأ فيها من دون صرف أموالك, كما أنك لن تجد متجر كتب جيداً و يسهل الوصول إليه (جرير و العبيكان أصبحتا محلات كمبيوتر و كتب حمية على ما يبدو), هذا و هي من أكبر مدن المملكة, فماذا لو كنت من سكان ينبع مثلاً, أو القرى البعيدة ؟ ربما لن ترى كتاباً في حياتك أصلاً !

إني أدعو الله مبتهلاً أن يحيي القراءة في العالمين العربي و الإسلامي, فهي على ما يبدو ديناصوراً قد وافته المنية.. أو على الأقل أن يجعل موتتها سريعة بلا ألم !

——————————

* نسبة إلى البرنامج المذكور, ففي رأيي كلمة “قوس قزح القراءة” هي “كلجة” سيقطعني بها زوار المدونة إرباً إرباُ ! :)

** هذا لا يعني أن قراءة القصص و الأخبار مرفوضة.. فهي تغني حياتنا و تقتل الملل, و لكن لكل شيء مقدار.

Add to FacebookAdd to DiggAdd to Del.icio.usAdd to StumbleuponAdd to RedditAdd to BlinklistAdd to TwitterAdd to TechnoratiAdd to Yahoo BuzzAdd to Newsvine

11 رد على ألوان القراءة * !

  1. وسيم عازب 16 نوفمبر 2009 عند 5:02 م

    تدوينة جميلة :)
    راح أرجع لك بعد ما أتغدى و أروق

  2. محمد الحربي 16 نوفمبر 2009 عند 11:37 م

    كلمتين بإختصار……كبيــــــــــر ياكبيـــــــــــر

  3. هشام باشماخ 19 نوفمبر 2009 عند 11:50 م

    وسيم: شكله وجبتك طولت يا رجل (بالعافية).. فينك ؟ :)

    محمد: شكراً لك يا صديقي. و أتمنى أن أرى زيارات أخرى منك.. و ترا أضفنا البلاي ليست عشانك. :)

  4. من وحي قلمي 20 نوفمبر 2009 عند 8:38 م

    وفقت في ما ذكرت
    لكن دحين احس انوا فيه تحسن
    صار في وعي عندنا بااهميه القراءه
    وسارت في نوادي وبرامج وانشطه عن القراءه ترغب فيها
    الاعتراف بالمشكله هو اول الطرق في حلها
    يعني الامل بالله كبير

  5. هشام باشماخ 20 نوفمبر 2009 عند 10:38 م

    المشكلة يا أختي ليست في الحث على القراءة فحسب, و إنما في ماهية ما نقرأ أيضاً.. يمكنك زيارة جرير أو المكتبات الكبيرة الأخرى لو أردت معرفة ما أعني.

    كما أنني لا أرى حماساً لدى الصغار لقراءة الكتب من اي نوع.

    سمعت من أكثر من شخص أن مكتبة المأمون بجدة ممتازة.. لكنني لم أزرها بعد..

    شكراً على مرورك و أترقب زيارات أكثر من طرفك عما قريب. :)

  6. aaliashan 21 نوفمبر 2009 عند 5:13 م

    نعم المشكلة اخي في ماهية الكتب برأيي ودون تحقيير كتب روايات المراهقات والمراهقين وبعض كتب تطوير الذات >>>لا اقصد جميعها طبعا هل تستحق ان تعتبر ثقافة اليست الثقافة هي التي تعطينا وعي وادراك وتتحدى تفكيرنا وايضا “موضة “لو يصح القول تسميتها بين بنات اليوم” لااعلم عن الشباب لكن مااعلمه هو البنات ” هو التفاخر بالكم الذي يقرأنه ولا يهتممن بماهية مايقرأن ولا يتفكرن في مايقرأن يعني تقول لك انا اقرأ كتبا كل اسبوعين طيب ماهو الكتاب ؟ ماتأثيره؟ هل غير فيكي شي ؟ وايضا اي انسان اصبح يقرأ يعتبر نفسه مثقفا اين نحن من المفكرين والشعراء الذين مهما تبحروا لايكتفوا ؟ هذا يدل على عدم محبة القراءة من الكل ولكن اعتبارها بريستيج تترفع به عن المجتمع من الحكم على ثقافتك ؟ واين ثقافتك على ارض الواقع ؟ اخي مشكلة عويصة ويارب ان تحل لكي نرجع امة نقرأ تقبل مروري ….عالية

  7. bukhariyon 29 نوفمبر 2009 عند 11:41 م

    أهلاً هشام…
    بصراحة أنا بحثت في جرير و العبيكان فلم أجد ضالتي من الكتب التي تستهويني، فتوجهت لموقع أمازون، مع ارتفاع الأسعار إلا أنه يشبع النهم،و يستحق كل قرش يدفع فيه.
    كما أستطيع أن أرجع ضعف المعروض في مكتباتنا لضعف الناتج العربي أصلاً في مجال المعرفة، فالرائج في سوق اليوم كما قلت هو كتب الحمية و النصائح “الزوجية” و الروايات الساقطة.

  8. هشام باشماخ 1 ديسمبر 2009 عند 9:44 صباحاً

    مرحباً بك يا صديقي..

    عندما أتحدث عن ضعف المكتبات فأنا أتحدث عن ضعفها في كلا اللغتين العربية و الإنجليزية.

    سمعت الكثير عن أمازون و هو في الحقيقة متجر لكل شيء تقريباً.. كنت أريد تجربته لكنني تكاسلت في النهاية..

    لدي سؤالٌ لك يا عبدالعزيز.. أي شركة شحن تستخدم ؟

    أنا أسأل لأنني أعرف بأن أمازون لا توصل لعناوين خارج الولايات المتحدة.

    معذرة على الرد المتأخر و كل عام و أنتم بخير و سلام.

  9. bukhariyon 1 ديسمبر 2009 عند 1:56 م

    بالعكس…أمازون توصل للسعودية عن طريق DHL
    فقط اختار كتبك و ضع عنوانك في المملكة و ادفع، و ستصلك الكتب في غضون أسبوع.

  10. مها نور إلهي 31 يناير 2010 عند 10:55 صباحاً

    موضوع جميل و طرحه مهم لنا…
    بالإضافة إلى كل الإحصائيات المؤلمة التي أوردتها في مقالك، أحب أن أقول أن هناك مدارس في السعودية ليس فيها مكتبة فماذا تتوقع؟ و لكن أعود و أقول البيت هو الأساس..

    حتى تخلق جيلا قارئا، يجب أن تكون البيئة الأسرية بيئة قارئة…فعندما يرى الطفل أن في بيته مكتبة و في غرفته مكتبة و أن والدته تقرأ باستمرار فإنه يصاب (بعدوى القراءة) تدريجيا إلى أن يصبح قارئا محترفا..

    و على ذكر مكتبة جرير و العبيكان…ليستا من أفضل المكتبات بالتأكيد لكن من يبحث فيهما قد يجد ما يريد ما بين فترة و أخرى…و حتى و إن كانت جودة الكتب فيها ليست عالية فهي جيدة كبداية خصوصا للصغار و المراهقين…انا شخصيا أولادي مدمنين مكتبة جرير و لهم ميزانية خاصة كل شهر حتى يشتروا ما يحلوا لهم من الكتب إن هم أكملوا قراءة كتبهم…

    أما أذواق الناس في القراءة فهذه لا يستطيع أحد الحكم عليها مثلها مثل أذواقهم في الملبس و الطعام فهي التي تحدد شخصية كل انسان…
    لكل كتاب قيمة إذا ما عرف القاريء كيف يقرؤه و حاليا كما ذكرت الأخت وحي القلم يوجد وعي لدى المجتمع بأهيمة القراءة…مثلا منذ مدة طلب مني أحد المراكز الصيفية إلقاء محاضرة عن القراءة و أهميتها و عن ماذا نقرأ و كيف نقرأ و قد كانت أعمار الحاضرات تتراوح بين الثامنة إلى العشرين و وجدت لديهن وعيا كبيرا و اهتماما عاليا بالقراءة…فلا تيأس هناك امل و لكن بصيص النور غالبا ما تطغى عليه ضوضاء اليأس و السلبية…

    تحياتي لك

  11. هشام باشماخ 12 فبراير 2010 عند 2:03 صباحاً

    ربما كنت سلبياً بعض الشيء عند كتابتي للمقال.. الجيل القادم بالتأكيد لديه نهم للقراءة, لكن يجب تشجيعهم كما تفضلت..

    القادم أفضل إن شاء الله.. لأنني على الأقل لا أرى مستقبلاً أسوأ من حاضرنا هذا.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.